محمد بن جرير الطبري

114

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا عبد الأعلى ، قال : ثنا داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أنه كان يقرأ هذه الآية : وحرم على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون فلا يرجع منهم راجع ، ولا يتوب منهم تائب . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال : ثنا داود عن عكرمة ، قال : وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون قال : لم يكن ليرجع منهم راجع ، حرام عليهم ذلك . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا عيسى بن فرقد ، قال : ثنا جابر الجعفي ، قال : سألت أبا جعفر عن الرجعة ، فقرأ هذه الآية : وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون . فكأن أبا جعفر وجه تأويل ذلك إلى أنه : وحرام على أهل قرية أمتناهم أن يرجعوا إلى الدنيا . والقول الذي قاله عكرمة في ذلك أولى عند بالصواب وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن تفريق الناس دينهم الذي بعث به إليهم الرسل ، ثم أخبر عن صنيعه بمن عمل بما دعته إليه رسله من الايمان به والعمل بطاعته ، ثم أتبع ذلك قوله : وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون فلان يكون ذلك خبرا عن صنيعه بمن أبى إجابة رسله وعمل بمعصيته وكفر به ، أحرى ، ليكون بيانا عن حال القرية الأخرى التي لم تعمل الصالحات وكفرت به . فإذا كان لك كذلك ، فتأويل الكلام : حرام على أهل قرية أهلكناهم بطبعنا على قلوبهم وختمنا على أسماعهم وأبصارهم ، إذ صدوا عن سبيلنا وكفروا بآياتنا ، أن يتوبوا ويراجعوا الايمان بنا واتباع أمرنا والعمل بطاعتنا . وإذ كان ذلك تأويل قوله الله : وحرم وعزم ، على ما قال سعيد ، لم تكن لا في قوله : أنهم لا يرجعون صلة ، بل تكون بمعنى النفي ، ويكون معنى الكلام : وعزم منا على قرية أهلكناها أن لا يرجعوا عن كفرهم . وكذلك إذا كان معنى قوله : وحرم نوجبه . وقد زعم بعضهم أنها في هذا الموضع صلة ، فإن معنى الكلام : وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا ، وأهل التأويل الذين ذكرناهم كانوا أعلم بمعنى ذلك منه القول في تأويل قوله تعالى : * ( حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون ) * .